المضافة... حين كانت الجدران تُعلِّم الرجال
المضافة... حين كانت الجدران تُعلِّم الرجال
قبل أن تطأ قدمك عتبتها، تستقبلك روح القرية قبل أهلها؛ تفوح في فنائها الخارجي رائحة تحميص القهوة المرة، أو يباغتك صوت المهباج وهو يصدح بضرباته الموزونة ليملأ الأرجاء، معلناً عن طمأنينة الترحيب. وفي اللحظة ذاتها، يعبق في المكان شذا لا يمكن للزمان أن يمحوه من الذاكرة؛ رائحة خبز الصاج العربي الطازج المخبوز على نار الحطب، لتؤكد لك أن البركة تسكن هذا المكان وتسبقك قبل أن تلج الدار.
وعلى هذه العتبة ذاتها، يستقبلك مشرب الماء، أو "الخابة"؛ تلك الجرة المصنوعة من الفخار والصلصال بخليطٍ خاص من تراب الأرض. ماؤُها باردٌ في قيظ الصيف، كأنه يخرج لتوّه من نبعٍ جبلي، فتشرب منها قبل أن تعرف صاحب الدار؛ لأن الضيافة تبدأ بالماء قبل الكلام.
فهذه المضافة ليست بناءً حجرياً قديماً، ولا بناءً إسمنتياً حديثاً. ليست سقفاً وأربعة جدران، ولا قطعة أرض أُقيم فوقها حجر فوق حجر. المضافة روحٌ سكنت المكان، ومدرسةٌ لم تُعلَّق على أبوابها الشهادات، لكنها خرّجت أجيالاً على مكارم الأخلاق، وحسن السيرة، وصون الكلمة، واحترام الكبير، وإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف.
هي الجامعة الأولى قبل أن تُعرف الجامعات؛ يتعلم فيها الصغير كيف يجلس، وكيف يصغي، وكيف يتحدث، وكيف يزن الرجال بميزان المواقف لا بميزان الأموال. فيها تُروى قصص الأجداد، وتُحفظ الأنساب، وتُتناقل الحكم، وتُصان العادات والتقاليد كما تُصان الجواهر النفيسة.
وهي أيضاً مجلس الأفراح والأتراح؛ يجتمع فيها الناس يوم الزفاف كما يجتمعون يوم العزاء. تفتح أبوابها للفرح فتغدو ساحة مباركة للأهازيج والزغاريد، وتفتح صدرها للحزن فتتحول إلى بيت عزاء يتقاسم فيه الناس الوجع قبل الطعام.
والمضافة فوق ذلك كلّه، فندقٌ مجاني لا يعرف صندوقاً للمحاسبة، ومطعمٌ لا يسأل ضيفه عن ثمن الطعام، وملجأٌ آمن لمن ضاقت به الدنيا، ودار أمان لكل من قصدها مستجيراً أو مستعيناً أو ضيفاً عابراً في ليلٍ طويل.
في قرى بني معروف، كانت المضافة تُرى من بعيد شامخةً كشيخٍ وقور. بناءٌ من الحجر البازلتي الأسود، رُصَّت أحجاره بأيدٍ تعرف قيمة التعب، وارتفعت قناطره المتقنة شاهدةً على مهارة البنّائين وصبرهم. بابها كبير، لكنه بلا قفل؛ فلا حاجة لمفتاح في بيتٍ جُعل للناس جميعاً. مشرعٌ دائماً، كأنما خُلق ليستقبل الداخلين لا ليمنعهم.
ومن خلف ذلك الباب المفتوح، كانت تنساب إلى الطريق أصوات الرجال الجالسين في صدر المضافة؛ ضحكةٌ صادقة هنا، وحكايةٌ تُروى هناك، وصوت شيخٍ يروي حكمةً أو خبراً تناقلته الألسن. حتى إن المارَّ من بعيد كان يعرف أن المضافة عامرةٌ بأهلها قبل أن تقع عيناه عليها؛ فالأصوات فيها لم تكن ضجيجاً، بل كانت نبض المكان وروحه الحية.
تلك هي المضافة...
المكان الذي يبدأ بصوت المهباج وخبز الصاج والقهوة المرة، ولا ينتهي إلا عند حدود الذاكرة.
فإذا غاب الحجر بقيت الحكاية، وإذا انطفأت النار بقي الدفء، وإذا رحل الرجال بقيت سيرتهم معلقة على الجدران.
أريج أرض، وعبق خبز، وذاكرة حجر، ودفء نار، وعبق قهوة، وشجن ربابة، وسيرة أجداد.
وتبقى، مهما تغيّرت الأزمنة، عنواناً للكرم، ورايةً للأصالة، والجامعة التي لا تغلق أبوابها، والذاكرة التي ما زالت تحفظ أسماء الآباء والأجداد كما تحفظ القهوة طعمها الأصيل.
نزار أجود الشامي
بلجيكا

