ضَرُورَةُ تَعْرِيفِ الْهُوِيَّةِ الدُّرْزِيَّةِ
فِي نِقَاشٍ اسْتَمَرَّ لِأَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ مَعَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ النُّخَبِ وَالْمُفَكِّرِينَ الْمُوَحِّدِينَ الدُّرُوزِ، حَوْلَ ضَرُورَةِ تَعْرِيفِ الْهُوِيَّةِ الدُّرْزِيَّةِ، وَخُصُوصاً لِشُعُوبِ الْعَالَمِ وَبِعِدَّةِ لُغَاتٍ عَبْرَ وَسَائِلِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ وَالتَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَضَرُورَةِ التَّعَاوُنِ وَإِشْرَاكِ شَخْصِيَّاتٍ دِينِيَّةٍ مِنَ الْحُكَمَاءِ وَالْعُقَلَاءِ، وَشَخْصِيَّاتٍ مُتَعَلِّمَةٍ مُفَكِّرَةٍ كَأَصْحَابِ التَّجَارِبِ وَالْبَاحِثِينَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ؛ أَحْبَبْتُ أَنْ أُوَضِّحَ بَعْضَ النِّقَاطِ حَوْلَ مَسْأَلَةِ "الْعَوْدَةِ إِلَى الْأُصُولِ" وَالْفَهْمِ الْخَاطِئِ لَدَى الْبَعْضِ لِهَذِهِ الْفِكْرَةِ.
لَيْسَتِ الْعَوْدَةُ إِلَى الْجُذُورِ وَالتَّارِيخِ رُجُوعاً إِلَى الْوَرَاءِ كَمَا يَظُنُّ الْبَعْضُ، بَلْ هِيَ خُطْوَةٌ وَاعِيَةٌ نَحْوَ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِلذَّاتِ وَالْهُوِيَّةِ. فَالتَّارِيخُ لَا يُخْتَزَلُ فِي صُوَرٍ نَمَطِيَّةٍ عَنِ الْبَسَاطَةِ أَوِ التَّخَلُّفِ وَالْجَهْلِ، بَلْ هُوَ تَرَاكُمٌ طَوِيلٌ مِنَ التَّجَارِبِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي شَكَّلَتْ مَعَارِفَ مُتَقَدِّمَةً فِي زَمَانِهَا، وَأَسَّسَتْ لِكَثِيرٍ مِنَ الْقِيَمِ وَالْأَنْظِمَةِ الَّتِي نَعِيشُ فِي ظِلِّهَا الْيَوْمَ. حِينَ كَتَبَ أَجْدَادُ الْمُوَحِّدِينَ الدُّرُوزِ كُتُبَ الْحِكْمَةِ مُنْذُ مِئَاتِ السِّنِينَ، إِنَّمَا اعْتَمَدُوا عَلَى تَجَارِبَ وَاسْتِنْتَاجَاتِ الْعَقْلِ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْخُلَاصَةُ الَّتِي تَوَصَّلُوا إِلَيْهَا وَقَدَّمُوهَا لِأَحْفَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ؛ سَوَاءٌ فِي مَجَالِ الْفَلْسَفَةِ، أَوِ الطِّبِّ، أَوِ الْفَلَكِ، أَوِ الْمُوسِيقى، أَوِ الرِّيَاضِيَّاتِ وَالْهَنْدَسَةِ الْمُقَدَّسَةِ، أَوِ الرُّوحَانِيَّاتِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى التَّأَمُّلِ وَمَعْرِفَةِ الذَّاتِ وَالْخَلْقِ.
إِنَّ الْأَجْدَادَ لَمْ يَكُونُوا مُجَرَّدَ أَفْرَادٍ عَاشُوا فِي الْمَاضِي، بَلْ كَانُوا بُنَاةَ حَضَارَاتٍ وَمَصْدَرَ حِكْمَةٍ، نَقَلُوا خِبْرَاتِهِمْ عَبْرَ الْأَجْيَالِ بِوَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ؛ مِنَ الرِّوَايَةِ الشَّفَوِيَّةِ إِلَى الْمَخْطُوطَاتِ وَالْعُلُومِ. وَقَدِ اهْتَمَّتْ مَجَالَاتٌ مِثْلُ عِلْمِ التَّارِيخِ وَالْأَنْثُرُوبُولُوجْيَا بِدِرَاسَةِ هَذِهِ التَّجَارِبِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ فَهْمَ الْمَاضِي هُوَ مِفْتَاحٌ لِتَفْسِيرِ الْحَاضِرِ وَبِنَاءِ الْمُسْتَقْبَلِ.
الْخَطَأُ لَا يَكْمُنُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى الْأُصُولِ، بَلْ فِي "كَيْفِيَّةِ" هَذِهِ الْعَوْدَةِ. فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ اسْتِحْضَارِ الْمَاضِي لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْ حِكْمَتِهِ، وَبَيْنَ الْجُمُودِ عِنْدَهُ وَرَفْضِ التَّطَوُّرِ. الْعَوْدَةُ الْوَاعِيَةُ تَعْنِي أَنْ نَأْخُذَ مِنْ تُرَاثِنَا مَا يُعَزِّزُ قِيَمَنَا الْإِنْسَانِيَّةَ، مِثْلَ: الْحِكْمَةِ، وَالصَّبْرِ، وَتَنْظِيمِ الْمُجْتَمَعِ، وَالْقَانُونِ، مَعَ الِانْفِتَاحِ عَلَى مُعْطَيَاتِ الْعَصْرِ الْحَدِيثِ. لِهَذَا، نُرَكِّزُ فِي حِوَارَاتِنَا حَوْلَ الْهُوِيَّةِ التَّوْحِيدِيَّةِ عَلَى ذِكْرِ الْأَشْخَاصِ وَالْحُكَمَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ كَأَدِلَّةٍ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُ، وَكَشَوَاهِدَ مِنْ وَسَطِ الْفِكْرِ وَالنَّهْجِ التَّوْحِيدِيِّ الدُّرْزِيِّ.
كَمَا أَنَّ تَجَاهُلَ التَّارِيخِ يَخْلُقُ فَرَاغاً فِي الْهُوِيَّةِ، وَهِيَ النُّقْطَةُ الْأَكْثَرُ خُطُورَةً وَدِقَّةً؛ لِأَنَّهَا تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلتَّبَعِيَّةِ الْفِكْرِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ، وَأَقَلَّ إِبْدَاعاً وَعَطَاءً؛ لِأَنَّهَا تُجَمِّدُ قُدُرَاتِ الْعَقْلِ، وَهَذَا مَا يَسْعَى أَعْدَاءُ الْمُوَحِّدِينَ وَالدُّخَلَاءُ عَلَى الْهُوِيَّةِ التَّوْحِيدِيَّةِ لِتَرْسِيخِهِ. أَمَّا مَنْ يَعْرِفُ جُذُورَهُ، فَإِنَّهُ يَقِفُ عَلَى أَرْضٍ صُلْبَةٍ، قَادِراً عَلَى التَّمْيِيزِ وَالِاخْتِيَارِ، لَا تَابِعاً بَلْ مُشَارِكاً فِي صُنْعِ مُسْتَقْبَلِهِ، مِنْ خِلَالِ تَحْدِيدِ هُوِيَّتِهِ كَفَلْسَفَةٍ وَفِكْرٍ وَنَهْجٍ.
فِي النِّهَايَةِ، لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ فِي الْمَاضِي، بَلْ فِي نَظْرَتِنَا إِلَيْهِ؛ حِينَ نَرَاهُ مَصْدَراً لِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الْحِقْبَةِ كَيْ نَبْنِيَ عَلَيْهَا حَاضِراً وَمُسْتَقْبَلًا لِلْمُجْتَمَعِ بِأَكْمَلِهِ. بِذَلِكَ يَنْتَهِي الْعِبْءُ الَّذِي تَوَهَّمَهُ الْكَثِيرُونَ، وَيُصْبِحُ التَّارِيخُ قُوَّةً دَافِعَةً نَحْوَ التَّقَدُّمِ، لَا قَيْداً يُعِيقُنَا عَنْهُ.
أَخْتِمُ هَذَا الْمَقَالَ بِالْفَاتِحَةِ التَّوْحِيدِيَّةِ عِنْدَ الْمُوَحِّدِينَ الدُّرُوزِ: «أَيُّهَا الْعَقْلُ الْمُبْدِعُ، امْنَحْنِي الصِّدْقَ وَالْحِكْمَةَ فِيمَا أَقُولُ، وَالْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ فِيمَا أَفْعَلُ، وَلَكَ الْحَمْدُ وَالْبَقَاءُ، آمِينَ».
..لَكُمْ مِنِّي أَطْيَبُ الْأُمْنِيَاتِ
يَزَن مَشْهُور أَبُو لَطِيف

