#حدث__اليوم
كان فطور الكامب يشبهنا.
بيضةٌ مسلوقة
تقف وحيدةً في صحنٍ مُثقّل بذاكرة قديمة،
زيتونٌ أسود كأنّه يعرف الليل جيّداً،
قطعة جبنةٍ مربّعة
كأنّها تحاول أن تكون نظاماً في حياةٍ فقدت شكلها الاعتيادي واجبرت على التغيُر.
لم يكن الطعم هو القضية.
كنّا نأكل ونحن نفكّر:
من الذي سيُنادى اسمه اليوم؟
من سيغادر؟
من التالي ؟
من سيبقى معلّقاً بين دولتين كفاصلةٍ لا تجد جملةً تحتويها؟
ومن سيخرج ليبني حياته بعيداً عن هذا السجن المرتب؟
الطاولات كانت طويلة، أطول من أعمارنا المؤجّلة.
نجلس متقابلين
لكن كلّ واحدٍ منّا
كان يجلس في داخله وحيداً.
نتبادل المزاح ليمضي الوقت ويقطع، قبل أن يقطعنا..
الفطور…
الذي يُفترض أن يكون بدايةً هادئة،
كان يشبه صفّ انتظارٍ آخر تماماً كانتظار مقابلتنا التي ستحدد مصيرنا ومصير عائلة بأمتها تنتظر في البلاد.
نقشّر البيضة ونقشّر معها صبرنا،
نمسح المربّى عن طرف الخبز ونحاول أن نمسح الخوف عن أطراف أفكارنا.
لم تكن المشكلة في قلّة الطعام، بل في كثرة الانتظار.
في أن تكون حياتك ملفاً على طاولةٍ بعيدة بين أيادي غرباء لا تدري معنى المعاناة.
وأنتَ هنا تحسب عدد حبّات الزيتون كي لا تفكّر في عدد الاحتمالات.
ومع ذلك —
كان هناك دائماً
من يقول:
“خذ حصّتي”.
كأنّ الكرم الممزوج بالكرامة آخر شيءٍ لم تستطع الحرب أن تأخذه منّا.
اليوم،
حين أجلس إلى طاولةٍ هادئة،
لا أرى الفطور أمامي فقط…
أرى المسافة التي قطعتها كي أصل إليه.
أفهم متأخرةً
أننا لم نكن نأكل لنشبع،
كنّا نأكل لنقنع أجسادنا
أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت مستمرة.
لم يكن الطعام بسيطاً، كان هشّاً مثلنا.
وكان الصمت بين لقمةٍ وأخرى أثقل من الصحن نفسه.
الفطور تغيّر،
لكن شيئاً في داخلي ما زال يأكل بسرعة،
كأنّ أحداً سيقول فجأة:
انتهى الوقت.
ورغم ذلك…
كان لذلك المكان القاسي
فضلٌ لا يُقال بصوتٍ عالٍ.
هناك،
تعلّمنا الصبر لا بوصفه فضيلةً أخلاقية،
بل بوصفه ضرورةً بيولوجية للبقاء.
أن تنتظر دورك،
أن تنتظر اسمك،
وأن تنتظر مستقبلك
دون أن تفقد عقلك.
وتعلّمنا الوقت.
كيف يُقسَّم،
كيف يُدار،
وكيف يُحترم.
في الكامب،
كان لكل شيء ساعة، حتى الجوع كان له توقيت،
والأمل كان يأتي على شكل موعد.
وتعلّمنا التعايش، لا كشعارٍ إنساني جميل، بل كواقعٍ مفروض.
أديانٌ مختلفة،
لغاتٌ لا تتشابه،
وعاداتٌ متباعدة،
لكن الفطور واحد.
البيضة نفسها،
الجبنة نفسها،
الطاولة نفسها.
كأنّ الحياة هناك كانت تُجرّب فكرةً بسيطة:
أن البشر، حين يُجرَّدون من الامتيازات،
يعودون متساوين حول صحنٍ واحد.
شيءٌ لا نراه كثيراً في العالم الخارجي.
ربما كان الكامب سجناً مؤقتاً،
لكنه كان أيضاً مدرسةً صارمة علّمتنا أن الحرية ليست فقط أن تغادر المكان، بل أن تخرج منه وقد فهمتَ نفسك أكثر.
#مريانا_الشامي

